27 يناير, 2010

هايتي والوحش الحساس

إدواردو مونوز\رويترز

وضربت الهزة الأرضية جزيرة هايتي وجمهورية الدومينيكان. لكن قوة الضربة كانت قاضية أكثر في شبهه جزيرة هايتي. وباتت الخسائر الفادحة من الأرواح والأجساد والبنى التحتية والبناء والممتلكات واللإقتصاد أقوى وأصعب. كما وضرب الزلزال القاضي مؤسسة الدولة ككل. لكن المخفي عن الجرائد والصحف والخطاب العام هو أن هايتي المستضعفة كانت بحاجة لمساعدة مادية من قبل الزلزال. فهذة الدولة قد مرت صراعات سياسية خارجية وداخلية كانت بزلزال أكبر من الزلزال المروع الذي ضرب الجزيرة. وجعلها تضرر أكثر من جمهورية الدومينيكان التي "تستمتع"- وإن صح إستعمال السخرية هنا- بينية تحتية أقوى وأنجع من جارتها هايتي.
من غير الإسهاب المطول عن تاريخ هايتي وشعبها أستخلص الأحداث المفعمة بأن هايتي كانت محطة تاجر فيها الأوروبيون بالسود الأفارقه كعبيد. كما وتم القضاء على الكم الأكبر من السكان المحليين في الجزيرة- هايتي والدومينيكان-. ويسكن الجزيرة الكريبينية تاريخ طويل من صراعات بين الإسبان والفرنسيون على سيطرة الجزيره ومواردها تعود أيامه القرن السابع عشر ميلادي. وإستطاع الفرنسيون في منتصف القرن السابع عشر الإستيطان بالجزء الغربي من الجزيرة- أي هايتي اليوم-. وقد إستغل الفرنسيون الجزيرة لزراعة السكر وكان الأفارقة القوى المستعبدة العاملة في هذة المزارع ووصل عددهم تقريباً المليون في نهاية القرن الثامن عشر. ووصلت كميات السكر المنتج من هذه العبوية الى مئات ملاين الأطنان. وفي بداية القرن التاسع عشر تحركت القوى السياسية ومع حدوث تقلبات سياسية في فرنسا وضعف سيطرة الإستعمار الفرنسي في المستعمرات وبالمقابل نهوض حركات محلية في هايتي أضعفت علاقة المستعمرة- هايتي- مع المستعمِر الفرنسي. ونشأت حركات التحررية من العبودية وصارعت من أجل الحرية والإستقلال وفي سنة 1804 كانت هايتي أول دولة في المنطقة الكريبية لتنعم بشيء من الإستقلال. وباتت هايتي كال"الإبن العاق" والمتمرد في مخيّلة المستعمِر العنصري. علاقة هايتي في القرن العشرين مع الولايات المتحدة وكندا أيضا تمحورت بصراعات سياسية وعلاقلات متوترة. فحين رفضت حكومة وشعب هايتي تدخل الولايات المتحده وكندا في تحديد حكومة هايتي تدخل السي أي اه الأمريكي في طرد الحكومة الشعبية وتم تعين حكومة مناصرة لأمريكا و
كندا.
من المهم صياغة قصة هايتي والسيرورة والتحركات بصورة شاملة ومكتملة تأخذ بعين الإعتبار القوى المادية-سياسية التي تسيطر وتسيير الدولة. لكن في شمال أمريكا وأوروبا هنالك تصور مُسيس ظالم وسلبي للجزيرة ككل نابع من هذا التاريخ وهذه التطورات السياسية-إجتماعية ومادية. وهذا مُلاحظ في تغطية خبر زلزال هايتي في
الصحف ومواقع الإنترنت الشمال أمريكية. فمثلا تحليل دمار الزلزال إقتصر على أن الدولة وشعبها "ملعونين" بشعوذه أو لعنة ما لا يمكن أن تفسر، أو أن الشعب الهايتي "غير محظوظ" أو حتى لا "حظ له". وقد صوِّر وكأنه مستضعف وميؤس من أمره. وكانت أكثر التحليلات سوءاً، عنصرية ونظرة إستعلائية هو تفوهات أحدى السياسين الأمريكان المتدينين لمذيعة سوداء (تبدو وكأنها توافقه الرأي) هو أن "الهايتيون قد إئتلفو مع الشيطان حين رفضوا الإستعمار والإستعباد الفرنسي وها هو الله يعاقبهم"- على رفضهم لعبوديتهم ومناشدتهم للحرية والإستقلالية .
وطبعاً هذه التغطية عنصرية علنياً لكن التغطية الشائعة لا تقل عنصرية أو إستعلاء إنما على العكس هي تغطية لا تهدف فقط الى إظهار ضعف شعب ووصفه بالمتخلف بنكبته إنما بنفس الوقت يظهر الإنسان الأبيض الأوروبي والأمريكي (والإسرائيلي) كالمتعاطف، الحساس، الإنساني والمنقذ. فحين يملك ويعيش الإنسان الأبيض في دولٍ مستقرة إقتصادياً، سياسياً وعسكرياً يُتوقع منه ومن دولته التسابق والتسارع لمن تكون الدولة الأولى في المنقذة لهايتي فتصبح بطلة الشاشات التلفزيونية وتختفي الجرائم الإنسانية ولو للحظات في طيات هذه التاريخ وأحداث الحاضر. فبنفس الوقت الذي ترسل فيه الولايات المتحدة أو كندا جيوشها لإنقاذ الأجسام والأرواح تحت أنقاض الدمارفي هايتي ترسل هذه الدول أيضاً فرقها العسكرية الأخرى الى أفغانستان والعراق وباكستان. وتبدو وكأن لهذه الدول اليد العظمى في منح الحياة وإقرارالموت، ، كما عرّفها ميشيل فوكو. فتاريخياً كانت مؤسسة الدولة وحكومتها لها الحق في أحذ الحياة من خلال الحروبات وعقوبة الإعدام والتعذيب، اليوم سياسات الدول تعتمد على موافقة وموالاة مواطينيها ليس فقط في أخذ الحياة بل في إعطاءها والمحافظة عليها. فواجب الدولة السيطرة على صورة الحياة ونوعيتها، والهلع لإنقاذ حياة شعوب مستضعفة أصبح من مُسلّمات العالم المعولم والمتحدث. كما وأصبحت عمليات الإنقاذ المصاحبة لعمليات عسكرية علنية أخرى من مسلمات العالم الغربي وإعلامه. فمن يعلم أن الجيش الأمريمكي اليوم مسيّطر على مطارات هايتي وشوارعها ومدنها. ومن يعلم أن أمريكا لم تكن من أول الدول للهرع في عمليات للإنقاذ الإنسانية؟ بل فنزويلا وكوبا كانوا من الأوائل للوصول فقط وبعد تفكير طويل دام ثلاثة أو أربعة أيام قررت أمريكا أن عليها بالإنقاذ ومنعت كل من المساعدات الكوبية والفنزويلية بالاستمرار في إرسال المعونات. اليوم وفي هذه اللحظات تتوافد الجيوش الأمريكية تحت أقنعة المساعدة لإنقاذ هايتي من دمار كان عليها أن توقفه لكن دعمها وتعيينها لحكومة لبيرالية ورأسماللية ولت بدمار أكبر في منع تقوية البنى التحتية ومؤسسات الرفاه الإجتماعية لأفقر دول العالم.
وها هو بطل الفيلم ألأمريكي يتألق على شاشات التلفزيون العالمية ليُحرج المشاعر و"ليلخبط" الأحاسيس والناتج لعبة أمريكية وحتى غربية لإظهار هذا الجانب الحساس للوحش المفترس لربما يحظى بتعاطفنا.

23 نوفمبر, 2009

ردا على نوال السعداوي في مقالها "حقوق الدجاجات التى تبيض والنساء"

http://www.cinemaema.com/parameters/cinemaema/images/news/1111182014778big.jpg


قرأت مقالة الدكتوره نوال السعداوي في موقع الأوان تحت عنوان: "حقوق الدجاجات التى تبيض والنساء" ومن خلال قرأتي تدافعت في عقلي أسئلة وإنتابني شعور أن المواقف والأراء التي تعبر عنها الكاتبة غير كافية لطرح نقد مقنع للحدث والحديث الذي دار في المقال.

لكني قبل بدء الرد على مقال الدكتوره من المهم أن أذكر من هي نوال السعداوي بالنسبة لي ولكثير من النساء في المجتمع العربي في الشرق الأوسط. فالأستاذه نوال هي عملاقه غنية عن الوصف. عندما نشأ فيَّ هذا الشوق للمعرفة والتعلم كنت أقرأ كتاباتها بتلهف وحب استطلاع كبير لما تخفيه السطور وما بين السطور من تلميحات وايحاءات التي يمكنني التماهي معها. كما وقرأت عن سيرة حياتها وعن إنجازاتها وككثير من النساء العربيات شعرت بأني أستطيع تحقيق أحلامي والوصول لأي منال أو هدف أضعه أمامي. فلا شك أن السيده الكاتبه والدكتوره نوال هي مثل أعلى لي ولكثير من النساء في حياتهن أو لجزء منها.

إنبثقت وتبلورت كتابات نوال السعداوي من سياق خاص جدا ومن محيط سياسي-إجتماعي وثقافي معيّن لكنه طبعا له خاصه عالميه أيضاً وليس محليه فحسب فقصص إضطهاد النساء والعنف ضدهم ليس فقط خاصة مقتصره على المجتمع المصري بل هي ظاهره عالمية. لكن لا بد من التشديد على أهمية الخصوصيه والمحليات في تحديد هوية الكاتبة ونوعية وماهية كتاباتها، فالموقع يحدد الموقف.

الحياة والعلاقات الإجتماعية والسياسية هي دائما قيد التغيير، فمثلا حقوق النساء وإنجازاتهن السياسية لها سياق معيين وتحديد زمني مبلور ولهذا نرى أن في زمن ومكان معيينين هنالك ظاهره اجتماعية مرفوضة جدا وبعد عقد من الزمن تصبح مقبولة أو العكس صحيح، كما ونرى ظواهر مقبولة في أماكن معيينه ومرفوضة في أخرى بنفس الوقت. والسؤال الذي يطرح هنا هو لماذا هذا الفرق بين الاماكن أو عبر الزمن، ماذا هذه "السحر" الذي ينتجاه البعد والزمن في تغيير أراء ونوعية علاقات الناس مع بعضهم البعض أو في علاقتهم مع قضايا روحية أو سياسة أو حتى علاقاتهم مع أجسام وأشياء جماد تتواجد حولهم؟

والحجاب والنقاب هما هذه الأجسام (مختلفه كثيرا وليس لأن الثاني يشمل كمية قماش أكبر لتغطية الوجه) التي وبصوره دائمة تتردد وتتأرجح الخطابات والأراء حولها. يوماً هم أجسام من القماش فاقد اللون الصارخ لتغطي الرقبة والشعر وأخر قطعة قماش مشدوده على شعر فتاه ترتدي أضيق ملابسها في طريقها للسوق البلدي! الحجاب والنقاب هم أجسامٌ من صنف خاص فهي أجسام جماد تعج فيها الحياه- ليست الحياه العضوية بل الإجتماعية، سياسية، إقتصادية، تجارية، دينيه، تاريخية، نسوية والثقافية. ومن هنا يحتم موقفنا الأخذ بعين الإعتبار هذه الحيثيات والسياقات المختلفة ولهذا تجنب التعميمات والحدود الصلبة التي نعطيها للأمور التي تعيش حولنا ونعيش فيها. لا أعلم بالظبط ما هي العوامل الشخصية والإجتماعية والسياسية التي دفعت بالأستاذه السعداوي الى أخذ موقفها الصارم من النقاب في مقالها وخاصة من غير أن تسهب بتفسير موقفها أو طرح أسئلة تتحدى سياسات وآراء فوقية وطبقية وعنصرية.

ومن هنا اريد أن أشارك بمداخلتي وردي للمقالة بثلاث نقاط:

أولا غياب البعد والسياق السياسي-الإجتماعي:

والقصد بهذا هو طرح أسئلة لماهية رمزية النقاب في خضم سياق سياسي-إجتماعي معيين. صور النقاب والحديث عنه مؤخرا (وليس فقط تاريخياً) قد إنتشرت بشكل واسع بعد إقتحام الجيش الأمريكي لأفغانستان عقب الهجوم على ناطحات السحاب في نيوروك في 11 أيلول 2001. وقد استُعملت منصات الصحافه والاعلام لنشر أفكار عنصرية عن الثقافة والحضارة الأفغانية وبدأت تظهر النساء المستضعفات كسببا هاما "لتحرير" أفغانستان من قمع طالبان للنساء ومن التهديدات التي يسببها "الإسلام المتطرف" على سلامة العالم "الحر المسالم"- وخاصة الأمريكي. وطبعا من هذه النقطة واستمراراً الى اليوم نظرة المجتمعات للنقاب خاصة تحمل مضامين صارمة ومحددة لتوحي بالصور والشعور التاليان: إرهاب، عدم أمن، رجعية، أصولية، إنسانية محدودة أو معدومة، العالم الحر والعالم المضطهد والخ. وهذه الصور ذاتها سارعت للظهور أمام السعداوي لتعبر عنها في مقالها عندما تطرقت الى هذه اللحظات الأولى حين لمحت أعينها المرأة الجالسه بجانبها في الطائره، فتقول السعداوي لوصفها لما رأت:

"لا أستطيع من كتلة السواد أن أحدد ما تكون؟ امرأة؟ رجلاً؟ كائناً آخر من فصيلة الطيور أو النمور أو النسور، نصف العين الشاخصة نحوى نظرتها مكسورة كاسرة، خاضعة متحدية، ثائرة مستسلمة، قاهرة مقهورة، حاقدة مبهورة، أنفها مدبب بارز شامخ تحت السواد يشبه منقار نسر متحفز فى رعونة مرعوبة."

ما قصدها السعداوي بهذا الوصف؟ فإن كانت تصف شيئاً ما رأته فهي تكشف بهذا نظرتها عما ترى. إن الأشياء حين ننظر إليها ونراها نستوعبها بمرجعية لما نعرف من حولنا. الدكتوره إبنة مصر تعرف انها ترى إمرأه وليس كائن من فصيلة النمور ولو كان كذالك لما قبلت شركة الطياران أن تجلس بحانب نمر أو نسر. لا بد أن نعرف من أين تنبع هذه السخرية في النص والوصف؟ فهل هي تعرفها شخصياً لتعرف أنها مذعورة مقهورة او حاقدة قاهرة. السؤال الذي يجب أن يسأل هو من أين لنوال السعداوي هذه الصور والتصورات. فكثيراً ما نسمع عن هذه التصورات لثقافاتنا العربية ونسارع بالدفاع عنهن واتهام الأحكام الصادرة كفوقية- طبقية أو عنصرية. على سبيل المثال الأكل باليدين صُور للغرب- مُستعمل الشوك والمعالق- كعادة قذرة لشعوب "متأخرة". أو موسيقة الجاز ورقصات الجاز للسود المستعبدين في أمريكا باتت في محط الاستهزاء والإستهتار ولم تعتبر كموسيقى لفترة طويلة- واليوم تعتبر موسيقة الطبقات الوسطى البيضاء. طبعا ليس كل نقد لعادات إجتماعية هو كأكل الحمص باليدين أو رقصة جاز، فهنالك عادات وتقاليد تتواجد في الحيز الصعب الذي فيه مجموعات سياسية عالميه تتدافع لتناوله في نقاشاته أو فئات نسويه تتدافع للرد أو التعليق عليه. أنا أنبذ وأحارب ألإضهادات على جميع صورها، لكن كيف نتطرق ونرد بمداخله قصيره عن أمر نعتبره من أنواع الظلم؟ ما هي الفرضيات الأساسية التي عليها نبني هذه الإنتقادات وكيف نتجب قابليتها للهدم وليس البناء؟ فهل تصوير الإنسانة في مقالة نوال هو تصوير بناء أوهدام؟ وكيف نتجنب تصوير النساء المهمشات والمتواجدات تحت ضغوطات إجتماعية وسياسية ودينية من غير أن نهمش دورهم السياسي في نضالات حياتهم من خلال تصويرهم الفوقي والعنصري؟ فما هدف السعداوي في رسم الإمرأه ككائن غريب عن المألوف أو غريب عن الإنسانية وبالأخص أن النساء مرتديات النقاب هي ليست ظاهره أسطورية إنما واقعية! فإذا كان المصور لهذه المرأه من اليابان والحدث كان قبل قرنين لعرفنا أن الشخص الياباني قاتن الجزيره لم يلتقي بنساء في هذا اللباس المحدد. لكن الدكتوره السعداوي تعرف ما ترى وتدركه، لكن ما هدف هذا التصوير حقا؟ هل في هذا التصوير هنالك تعاطف مع الإمرأه أو إضطهاد أخر لها ولحالتها وهذا بالرغم من أن المرأه دافعت عن رأي يختلف عن السعداوي. لماذا لم يكن هنالك تعاطف مع إمرأه صورتها السعداوي كضحية- يمكن أنها هي لا ترى نفسها كذالك- إنما تعبر نوال عن غضب عندما ترفض المرأه رؤية نفسها كضحية؟ ما هي هذه الديناميكية المؤهله لهذا النوع من العلاقات المعبَر عنها في المقال؟

وهنا بمحاولتي لسأل هذه الأسئلة وفتح مجال للإيجاب عليها أود أن أشير إلى أن الخط النسوي التي تبعتة السعداوي -وحتى أسسأت جزءا منه- في سياق النسويه العربية هو خط مستوحاه من نضالات في سياقات أوروبية. طبعا هذا لا يضر بل يعمم نضال النساء وحكم الأبوية كنضال كل التقافات والحضارات، لكن كثيرا ما أهمل هذا النضال اللبيرالي ما أو حتى الراديكالي حيثيات السياق المحلي جداً. إن قصص الحجاب والنقاب تعود ايضا مثلا الى الاستعمار الفرنسي في الجزائر والى الأحداث التي إستغل فيها الفرنسيون صورة الحجاب والنقاب بهدف تصوير الجزائريات وثقافاتهن كثقافه تقليدية-عمياء ورجعية ومن هنا نبعت أحداث إزالة الحجاب بشكل علني عن بعض النساء الجزائريات أمام جمهور مستَعمِر ومستعمَر متلهف لهذه المسرحية السياسية. أو من جهه أخرى ربط هذه الأحداث بكون جزء من النساء اللاتي ترتدين النقاب إستعملن لباسهن الفضفاض لتهريب السلاح للفئات المقاومة للإحتلال الفرنسي. لكن نظرة السعداوي للحجاب كانت ما يمكن تسميته بالأثنوسنترية- أي أنها نظرة تحليليه نابعة من ثقافة الناظر من غير تقبل تفسير ونظرة الأخر لحياته. أي أنها نظرة غير مراعية لمجموعة الفرضيات التي منها ينبع تفكير الأخر الغير عن الناظر. عادة ما تكون هذه النظرات والأفكار تعيش في سياق طبقي أو إستعماري أو عنصري. فمثلا لماذا لم تحاول السعداوي معرفة لماذا بالظبط ترتدي هذه الإمرأه الحجاب من دون أن تحكم عليها أو تعيرها لإرتداءه؟ هل هذه المحادثة هي تعبير عن أزمة عمرها ثمانون عاماً أو أكثر نشأت في ظل تماهي الطبقات الوسطى في المستعمرات مع القوى المستعمِرة وتبنت ثقافاتها ومعرفتها على حساب رفض الكثير من المعرفه المحلية الغير غربية؟ هل تصريحات السعداوي هي تكرار لهذه الديناميكيات؟ وهذا مع العلم أن للسعداوي كتابات تعد من الرافضة للإستعمار البريطاني لمصر ومناصرة للحركة الوطنية الناصرية. هل ما زالت-وكيف إن كان هذا الأمر صحيحا- الطبقات الوسطى المثقفة في الشرق الأوسط في وضع من إغتراب من الحركات والتحركات المستوحاه من الثقافات المحلية. فنقد السعداوي للنقاب إستعماري جدا من غير أن تصرح خطورة كونه إستعماري! ليس كل انتقاد للثقافات المحلية هو إستعماري ولكن سحب إنسانية السيدة المرتدية النقاب هو فعل إعتاد المستعمرون الغرباء والمضطهِدون من شرقنا والظالمون منه أن يستعملوه ضد فئات مجتمعية مضطهده ومستعبدة- من خلال سحب بقايا اللإنسانية بعد تجريدهم من الحقوق المدنية أو الدينية؟

ثانياً: إن النقاش الذي دار بين الزوجين الذي فيه يظهر الزوج كرجل أبوي (بطرياركالي) يتلاعب بالكلمات لتهدئة زوجتة وإظهارها كغير مضطهدة من قبله لإرتداءها النقاب إنما كمستقلة، ولكن في النهاية هو صاحب القرار وهو الرأس الأساسي الذي يدير العلاقة. وهي تظهر كمسلمه لامرها له لكنها من جهة أخرى تكرر قولها بأن زوجها لايسيطر عليها ولايجبرها على أمر فما بالنا هذا النقاب الذي ترتديه. ونوال السعداوي تظهر هذه الإمرأه وكأنها تعيش حياة غير صريحه مع نفسها أو كأنها تمتلك وعياً كاذبا. وفي النهاية رفض الزوج أن تتصور بجانب الكاتبة نوال السعداوي هو دلالة لسخرية القدر في أن هذه الدكتوره "المنقبة" هي تحت سيطرة زوجها الدكتور ورغم ثقافتها ودراستها لم تستطع إدراك احكام الأبوية وكيف أنها في النهاية مضطهدة. لكن السعداوي لا تسمح مجالاً لتوسيع مفهوم الحكم الأبوي على أزواج أخرى. فديناميكية الزوج المتدين والمتذمت لاتقتصر عليهم، على العكس من الأقوى إظهار هذه الديناميكية الزوجية الطبقية والإستغلالية للنساء في الأزواج العلمانية و "المتنورة" أو المثقفة. نفس الديناميكية نفسها بحروف مزينة وبكلام معسول يمكن إيجادها في هذه الأزواج. فالتفاعل والعلاقه بين الزوج المتدين هي نموذج شائع للعلاقات بين كثير من الرجال والنساء. فنفس النقاش يمكن إيجاده مع زوج فلسطيني علماني ومثقف! الذي فيه المرأه تظهر بخارج إطار البيت كمتحرره وفي البيت تمسح وتنظف وراء زوجها وأولادها. فلماذا هذه السخرية تقتصر فقط على "نصف عين" (المرأه المرتدية النقاب كما لقبتها السعداوي بإستهتار)؟ والسؤال الذي يطرح هنا هو ما دور النقاب في إبراز القمع الكائن في هذه العلاقة؟ بنظري هذا تحليل محدود ومحصور ليصور صورة غير شاملة ومشوهه.

ثالثا وأخيراً: غياب البعد السياسي المحلي. اليوم قضيىة "نقاب مصر" هي قصة جديدة في سلسلة ال"مسلسلات" السياسية التي لها بعد أخر ليس محصورا فقط على جسد النساء (فهو يدور حول جسد النساء) لكنه هو رمز لأزمة حكومة مصر الدكتاتورية. الدكتورة نوال السعداوي كانت من مناضلات نساء مصر اللاتي حاربن ضد الإمبريالية والدكتاتورية التي تنتاب مصر في العقود الأربعة الصارمة. واليوم الحركات الأكثر شيوعاً وشعبية التي تناهض حكومة مبارك والتي تهدد فعلياً سلالة الحكم العائلية لمصر هي الحركات الإسلامية وأولها الإخوان المسلمين. وقضية تصريحات أئمة الأزهر أو رجال الدين المناصرين لمبارك ضد النقاب وكأنه جسم غريب عن الثقافة الإسلامية هي قضية سياسية محضة فيها تستغل الحكومة المصرية نصرة بعض رجال الدين لمنع النقاب كخطوة لتحديد "إنتشار" ما يسمى "بالأصولية الإسلامية". فهذه المجموعات الملقبة ب"الأصولية الإسلامية" هي نفسها التي تشكل الضغط على حكومة "علمانية" لكن أيضا أرستقراطية وطبقية لا تعني بالطبقات الفقيرة ولا بفئات الفلاحين المصرية المهمشة. لا بد لنوال السعداوي أن تدرك هذة التسلسلات والترابط بين الدين والفقر والتهميش السياسي. لهذا أسئلتي الأساسية الذي بها أنهي ردي هي: هل عدم إرتياح وهل إستياء نوال السعداوي من النقاب الذي ترتديه السيدة وما يحمله من عبئ تاريخي وسياسي وثقافي هو بمثابة خوف السعداوي من غياب وإختفاء شرعية نضال المثقفين في مصر ضد حكومة مصر؟ هل هو خوف من موت معارضة علمانية للحكم وتخوف من شعبية حركات إسلامية؟ هل هو خوف من أن ينتاب مصر مصير إيران عشية الثورة الإسلامية؟ وإن كان هذا هو الأمر لماذا عكست نوال تخوفاتها لفقدان نضال هي جزء منه على إمرأة فلانية جلست بجانبا في الطائرة؟ هل هذه هو التضامن النسوي الذي نريد تصوره؟

وإجابتي على السؤال الأخير هي طبعا لا!

01 نوفمبر, 2009

وخلاصة الخبر، نركز على إجتماع العائلتين معا والبكاء ليس على فقدان أليم إنما على صلحة بين عائلتين والفقيده مفقوده من الصوره


إقرأي الخبر التالي!

http://www.panet.co.il/online/articles/1/2/S-242027,1,2.html

08 أكتوبر, 2009

دكان الأحذية....



مررت بجانب دكان أحذيه صغير في شارع مركزي في مدينة تورنتو. ووجدت لافتات لتزيلات كبيره. قررت الدخول وتفحص الاحذيه. صاحب المحل رحب بي وبدأ يشرح لي عن الأحذيه والاسعار. وسارت بيننا محادثة غير متوقعة:

أنا: هل هذه أخر تنزيلات للمحل؟ هل سوف تُسكر المصلحة؟

هو (وقد بدت عليه ملامح يأس): نعم للأسف!

أنا: هل إرتفع أجار المحل؟

هو: لا، أنا أملك العمارة...لا يوجد تسويق جيد هنا، لا يوجد زبائن. الناس لاتريد أن تصرف ولا معها أموال للصرف.

أنا: لكن الكثير من الطلاب يسكنون في هذه الحاره وممكن أن يشتروا هذه الاشياء؟

هو: لا لا، طلاب الجامعات يصرفون الكثير لكن على المخدرات والمشروب والملابس.

أنا: معقول.

هو: لكن أنت لست من هذا النوع...أنت تبدين عاقلة.

أنا: شكرا.

هو: من أين انت؟

أنا: من فلسطين.

هو (وهنا بدت عليه علامات التوتر أو يأس من نوع آخر): أه لا بأس...

أنا: نعم...لا بأس....

هو: إحزري أنا من أين!

أنا: البرتغال؟

هو: لا....

أنا: هنالك كثير من البرتغالين في هذا الحاره....إيطالي؟

هو: لا...أنا يهودي.

أنا: آه....من أين؟

هو: إحزري!

أنا: بولندا؟

هو: لا...قريب من بولندا!

أنا: هنغاريا؟

هو: لا....أنا من روسيا.

أنا: حقاً, لم أكن أحزر. لا تبدو لي روسي....الروس اليهود في إسرائيل يشبهون الروس الغير يهود أكثر.....

هو: لا أعرف ما تقصدين؟

أنا: صحيح...في روسيا تنوع كبير لهذا لا توجد ميزات معينة بالشكل.

هو: من أين في فلسطين؟

أنا: من الشمال، من الناصرة. هل زرتها؟

هو: أبدا لا شيء لي هناك.

هو: لدي سؤال لك...لكن أجيبيني بصراحة تامة...ومن غير أن تنحازي الى أي جانب لا اليهودي ولا العربي! أنت تبدين صبية ذكية ومتعلمة...(كثير من أليهود الصهيونين في أمريكا أو إسرائيل يشعرون أن لهم الحق الكامل بالتحقيق مع فلسطينيين عن موضوع إسرائيل-فلسيطين، هذا حق بالنسبة لهم لا يُستغنى عنه. والحق الثاني الذي يشعرون بأنه يحق لهم هو تحديد قوانين النقاش لتكون رادعة عن التعبير عن الأراء الصادقة، وبهذا يعززو إستعلائهم أمام الأخر)

أنا: آه، أوكي....

هو: هل تفكرين أن سوف يأتي يوم ويكون فيه سلام في المنطقه؟

أنا: لا يمكن أن لا تأخذ موقف بأي موضوع فما بالك بهذه القضية! لكن حتى لو أردتني أن أخرج من إختيار أطراف، كل قضية تقسيم العالم إلى دول لقوميات معينة هي مشروع مجحف وظالم. أنظر إلى أفريقا اليوم (محاولة الخروج عن نطاق الشرق الأوسط) فهي قارة مليئه بحروبات دول على قضايا حدود وموارد. أفريقيا لم تكن مقسمه هذا التقسيم قبل الإستعمار الأوروبي. كانت هنالك تنظيمات إجتماعية مختلفة ومتعدده لكن العنف الناتج عن مشروع إنشاء الدول القومية هو لا مثيل له. والكلام صحيح بالنسبة لإسرائيل، تهجير وتقسيم البلاد الى دولتين إحدى لليهود وأخرى للعرب الفلسطينين هو عنيف وقاس وخلف الكثير من اللاجئين الفلسطينين.

هو: لكن العرب يريدون قتل اليهود وتهجيرهم وطردهم من البلاد. (وهنا طبعا هو إتخذ موقف وإنحاز بوضوح الى جانب، لكن لي لا يحق)

أنا: نحن نعرف من بالفعل قتل ستة ملايين يهودي...كان هذا الحديث في أوروبا- ألمانيا وليس الشرق الأوسط!

هو: لا لا! لا تخلطي قصه بأخرى، لا علاقة بين الحدثين.

أنا: حسناً لنرجع الى الشرق الأوسط وموضوعنا. لربما تريد جماعات عربية أو فلسطنية تهجير اليهود لكن بالفعل الذي هُجَّر هم الفلسطنيين فلماذا الكلام أهم من الفعل؟ الحقيقة هي أن الفلسطينيون هن اللذين هُجروا! وفي ال 67 إحتلت إسرائيل أراضي كانت تخضع لسلطه أخرى ويسكن فيها شعب آخر!

هو: لا لا هذا لأن الدول العربية هجمت...كانت هنالك أقلية هجمت...

أنا: جيوش دول تقصد...لكن اليوم أربعون سنة مروا وما زال الإحتلال الإسرائيلي...

هو: أنت تبدين فتاه متعلمة وذكية لماذا لا نستطيع أن نكون جيران أصحاب ....(وطبعا بعد أن قال أن لا علاقة له بإسرائيل بدأ يحدثني وكأنه إسرائيلي)

أنا: لنكون جيران يجب أن يكون للفلسطينيون بيت ومأوى لإستضافة الإسرائيلين ومأء وطعام للتقديم... كيف يمكن أن يكونو جيران إذا كان

جار محروم من الأساسيات بسبب الجار الثاني؟ وإن صح القول الفلسطينيون هم كرماء بمفهوم المتطرف للموضوع! يستضيفون من غير بيت أو طعام!

هو: أنظري هنالك شريحة صغيرة من الفلسطينين كياسر عرفات وأخرين...ياسر عرفات كان رجل مجنون! مريض نفسانياً لقد قرأت سيرة حياته! هو متخصص بالهدم والدمار!!!

أنا: حسنا لا أريد حتى أن أذكر شارون أو بينيامين نتانياهو...حتى رابين قال "نكسر للفلسطينين عظامهم"!!!

هو: محمود عباس ليس جيداًّ!

أنا: عباس هو دمية بأيادي الإسرائيلين!

هو: كيف عائلتك؟

أنا: بخير....(متجهة الى باب الدكان).

هو: إسرائيل هي دولة متقدمة صناعياً...

أنا: بصناعة السلاح!

هو: (بتباه) نعم...إسرائيل لا تستطيع الإعتماد على سلاح إمريكا. أمريكا دولة غداره فقط تعتمد على مصالحها...

أنا: اوكي...

هو: يوم ما سيأتي السلام!

أنا: توقعاتي خلال العشر سنوات القادمة هو أن تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على كل المنطقة وبناء دولة واحدة فيها الإسرائيليون يعيشون أحرار والفلسطينيون في مخيمات! وهذا الوضع اليوم وليس بعيدا! وهذا الوضع خلال الأربعون سنة الماضية.

هو: هذا هو رأيك وأنا لا أوفاق عليه...

أنا: إن أردت أن تعرف عن الموضوع إذهب وشاهد بعينيك لأن رأي الجرايد وتغطية الصحف للقضية هنا في شمال أمريكا غير عادل. إذهب بنفسك وشاهد ما يحصل على أرض الواقع.

هو: حسنا، كان حديث جيّد...

أنا: اوكي...

هو: هل هنالك حذاء أعجبك؟

أنا: اه....لم أحضر حقيبتي معي...على كل حال بالتوفيق.

هو: مع السلامة.

07 أكتوبر, 2009

ألحدث واليوم العادي

صورة لحدث جديد- "فتحوا مكتب"!

تتمتع مواقع الانترنت الإخبارية المحلية بخاصة "خاصه" تتمحور حول التركيز على التفاصيل المحلية الهامشية. هذه المواقع كبانوراما أو بكرا أو وين تغطي ألأحداث باللغة العربية فقط هادفة لربما لجمهور محلي محدد أو إما للجماهير العربية الفلسطينية في الشتات. المثير للاهتمام في الموضوع أني قد تحدّثتُ مع صديقة مصرية عن هذه المواقع وفوجِئَت في التفاصيل "الصغيرة" "اليومية" التي تُغطى في هذه المواقع كمقال بعنوان "النحل يكتب لفظ الجلالة ’الله’ بالقدس" أو "حضور مميز لأهالي طبقة السوابع في الزهراء". وأخبار أخرى وصور "مر الكرام" لأماكن غير مأهوله أو محلية للغاية كصور لمكتب سياحة جديد تحت اسم "5 ستار" فُتح في الطيبة.

لا فرق كبير بين الحدث اليومي والحدث العالمي في هذه المواقع وكأن "الحدث" بمفهوم الشيء الذي له أهمية سياسية دولية أو إجتماعية قد نزل أو أُنزل الي الحياة اليومية- أهمية قرآءة تغطية لمكتبة صغيرة في ترشيحا "تستقبل أطفال الروضات" لا تقل عن قرآءة "إطلاق صراح الشيخ رائد صلاح" أو "أهالي طلاب مدرسة العلوم والتكنولوجيا في دبورية يتظاهرون غداً لإسماع صرختهم"، أو حتى أخبار لقاءات سياسسية بين رؤساء دول العالم.

يتسلل الحدث المحلي المهمش واليومي إلى حيز الحدث التاريخي العالمي والعكس حتى صحيح. وإن كان هذا الكلام صحيح ماذا يمكن أن يُفسر هذه الظاهرة وماذا يمكن أن نستنج منها من غير أن نفرض تفكير شطري أو مزدوج أو نفرض أولويات هي مُسَلّمات.

هل الأحداث اليوميه هي أحداث مهمشة لفقدان الرابط السياسي ال"واضح"؟ وكيف يُمكن أن نفسر إقبال ألناس الكبير لقرآءة وللرد على أخبار تعتبر "ساخرة" أو فكاهية أو محلية للغاية؟ هل مجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل هو قرية صغيرة فيها "الكل يعرف الكل" فأخبار حضانة أطفال صغيرة في حاره بعيده لبلد مهمشة مهمة لقرائتها وحتى للرد عليها؟

17 يونيو, 2009

ما بين الايديولوجيه الوطنيه والبحث العلمي: سامي سموحة والفلسطينيون داخل اسرائيل

في يوم الاحد من تاريخ 15 ايار نشرت صحيفه هأرتس ويديعوت وصحف عدة عن دراسة تطرقت للعلاقات "العربية-اليهودية" في دولة اسرائيل، حيث أن في مركز هذه الدراسة هو بحث مدى حميمية علاقة الفلسطينيين مواطني الدولة اليهودية بالدولة اليهودية. لم اقرأ كل مستجدات البحث الجامعي (لأني لم أجده) لكن قرأت تغطية هذه ال"حدث" لربما ان صح الكلام في الصحف العربية، العبرية والأجنبية.

تطرقي للموضوع سوف يأخذ ثلاثة جوانب بصوره مختصره:

أولا: الجانب ال"علمي". ما هو العلم وكيف نُعرف اليوم ما نعرف، هذا ما يعرف بالسؤال الابستيمولوجي. طبعا من المقالات المتلهفه التي نشرت البحث تم التطرق الى طريقه الاستفتاء اللذي من خلاله يتم جمع المعلومات من عينه صغيرة العدد او كبيرة العدد، وهذا يتعلق بمعادلات إحصائيه بتم الاعتماد عليها للوصول الى مصداقية الأرقام. في بحث الاستاذ سموحة تم استفتاء عدد معين من العرب الفلسطينين في إسرائيل في سنوات 2006 و2009 وتم جمع معلومات عن طريق نماذج أسئلة عن مدى "ولاءهم" لدولة إسرائيل في السنوات المقترحة وهذا أيضا يتعلق بموقفهم ازاء الذاكره اليهوديه-إسرائيليه لكارثة اليهود. واتضح من نتائج البحث أن 40% من الفلسطينين يستنكرو حدوث وقائع الكارثه اليهوديه وأن ما يقارب 53% يرفضون إسرائيل كدولة يهودية.
كيف قد ربط سموحة ولاء الدولة بتصديق الخطاب الصهيوني لأحداث الكارثه؟ هل هنالك رابط بين الاثنين ولماذا؟ كيف تم صياغة سؤال الكارثة؟ وكيف كانت صياغة سؤال الولاء؟ هذه أمور غير "طبيعية" أو غير مفهومة ضمناً. وأيضاً كيف ممكن أن نعمم عينة من هذا النوع على مجتمع كامل؟ من هي العينة وكيف حصل سموحة عليها؟ هل المعادلات الإحصائية قابلة للتعبير عن مواقف شعب، ولاسيما شعب لا يُسأل ولايُستشار في أي شيء يتعلق بالدولة.

والامر الأخر المتعلق بالعلم هو خطورة إستعمال العلم كألية لتعميم فكر أو سياسة معينه، وهذا ما يجرني لبحث الجانب الثاني في تحليلي وهو الجانب السياسي. العلم له مركز وهالة قوية وأحيانا مقدسة في عصرنا الحالي. فأبحاث الصحة وطرق الحياة الصحية لها مقامة مهيمنه ومسيطرة في عصر ال"حداثة" وحتى في هيكل العمل الوطني المعتمد عليه في الدول (الوطنية) الحديثة (مثلاَ تعلق دول العالم بالاحصاء، الابحاث العلمية- البيولوجية، طبية، عسكرية، هندسية ، إجتماعية والخ). الهوية الوطنية مرتبطة بما فيه بعمل الدولة كمنتجة للعلم وليس فقط كمستهلكة له. لدولة إسرائيل مؤسسات علمية- دراسية وبحثية قوية جدا وتعتمد بالأساس على ربط العلم بالدولة وهوية الإسرائيلي\ه مرتكزه على شعور الفخر بالإنجازات العلمية الإسرائيلية. فبعد أن يوضّح هذا ألأمر تظهرالعلاقة بين ألأيدولوجية والعلم. ففي الهندسة العسكرية من الواضح أن العلم المُنتَج مُجند في خدمة الدولة والطبقات الوطنية-الدينية المهيمنة في الدولة. لكن ما هي علاقة العلوم الإجتماعية بمشاريع الدولة المساهمة في حفاظ التراتبية السياسية-طبقية-عرقية-عنصرية-جندرية والخ؟

هنالك أقسام جامعية قليلة اليوم في العالم وفي العلوم الإجتماعية التي تصبو إلى رفض خطاب وروايات الدول المستوحاة من أسس عنصرية-تراتبية. وهنالك باحثو علم إجتماع أقل في إسرائيل الذين يفككون ويرفضون الربط ما بين العلم والولاء للدولة أو حتى يشككون وجود دولة عرقية-دينية وديمقراطية (ومنهم وأقصد اليهود منهم- إيلان بابه وداني ربينوبيتش وأخرون).

سامي سموحة هو باحث عراقي يهودي (إسرائيلي)- متخصص في علم الإجتماع ومدرس في جامعة حيفا. سموحة متخصص في ما يسمى "علاقات العرب واليهود في إسرائيل". وطالما يعُرض كيساري متقدم وكعالم إجتماع يساري. البحث المقارن المقترح يُصوِّر لي صورة أخرى. سؤال يسأل عن مدى ولاء أقلية مُتطهَدة لدولة قامعة هو بحد ذاته سؤال مُسَيَّس وحتى مُجنّد. هناك استثمار سياسي واضح في هذا السؤال يعرض أن الأمر ال"طبيعي" أن يُظهروا فلسطينيو الدولة ولاء لدولة تعتبرهم أصلا خارجين عن حدود تعريف الدولة (كيهودية). أما بالنسبة لسؤال الذاكره اليهودية للكارثة اليهودية فأيضاً هنالك فرضية أن الوضع الطبيعي أن يعترف الفلسطنيون بوجود الكارثة (التي لا أنكر وجودها انا نفسي) وأنّ المنهاج التعليمي ووسائل اللإعلام لم تقم بترسيخ فكره الكارثة عند الفلسطينين. والحقيقة أن سؤال كهذا مهم ومشيَق لكن يجب ان نسأل كم نسبة ال"يهود" التي تعترف بعنصرية الكيان الصهيوني وتعترف بمدى استعلاء ال"هوية" اليهودية على ال"العربية"؟ وطبعا الأمر الأخير هو إختيار سموحة بحسب المقالات الصحفية التي قرأتها الى جانب الموقع الإلكتروني لربط ما بين سؤال ولاء الدولة وسؤال حقيقة حدوث الكارثة اليهودية.

المثير للإهتمام أيضا أن التقارير إقتبصت تحليل ملخص وغير عميق فيه يدعى سموحة أن ولاء وإعتراف الفلسطينيين بمصداقية دولة إسرائيل وإنكار الكارثة متعلقين بوضع الفلسطينيين كفئة مهمشة في الدولة وكلما زادت أحدات وظروف تهميشهم قلّ ولاءهم للدول كما وقل تصديقهم لسرد أحداث الكارثة اليهودية. وبدون أي تحليل عميق لهذه المعادلة هنالك إفتراض واضح لأن أحد الطرق لأخيرا إقناغ الفلسطينين بتصديق الكارثة ومن هنا لإعتراف الفلسطينين بأرض فلسطين كدولة اليهود (الهاربين من أللاسامية الاوروبية) يحدث عند عدم تهميشهم مادياً أو إجتماعياً وهذا إضافةً الى تسريع تطبيع العلاقات العامة مع الدول العربية وإقامة دولة فلسطينية مجرده من سلاح أو سلطة حدودية. فهذه العوامل بحسب سموحة سوف تؤدي الى استيعاب الفلسطينين في إسرائيل لدولة إسرائيل والترحيب بأسسها وسياستها.
أليست هذه الفرضيات (النيولبيرالية) تٌشكل أُرض خصبة لمشروع علمي مُجند للمحافظة على التراتبية العرقية-دينية للدولة؟


ثالثا، هنا أتطرق الى عامل نشر بحث علمي جامعي في الإعلام العام. أنا أؤيد فك احتكار الجامعات للأبحاث العلمية وأؤيد انخراط الاهتمام العلمي في الحيز العام. لكن مع هذا أنا أيضاً اتسآءل لتصوير البحث وتغطيتة وعرضة في مجلات، جرائد، وصحف عنصرية محتقرة لكل من هو وهي ناقضه لسياسة الدولة الإسرائيلية. من المهم توضيحة هنا أنه تم نشر هذا البحث في صحف صهيونية امريكية تناشد في دولة إسرائيل من النهر للبحر وترفض وجود فلسطينين أصلاً. ومن الواضح أن أي موضوع يُطرح في الحيَز العام سوف يشوهه ويحتكر ولكن بحث من هذا النوع الذي يؤسس "الحقيقة العلمية" لعرض الفلسطينين كشعب حاقر لليهود أو رافض لروايتة (الأوروبيين منهم) التاريخية، هو بحث خطير ومن السهولة أن تُهمش الحقائق والتفاسير ويبرز الخطاب العنصري المشوهه لصورة شعب يعيش على هوامش أو ظل دولة مستبدة، هي بنفسها تسيء إستعمال التاريخ لأهداف استعمراية عنصرية. وهذه الديناميكية كنت أتوقع من البروفيسور سامي سموحة أن يتقن معرفتها فهي من أسس الدراسات الإجتماعية، لكن تغاضيه عنها تثير شكوكي في استثماره الأديولوجي في هذا البحث.

02 مايو, 2009

لماذا "بُعد"؟

لماذا المجتمع وأفراده يقومون بالتصرف بأشكال معينة في ظروف معينة؟ ما هي الميكانيكيه الباطنه- الغير ظاهره- التي تسمح بتغير أو استمرار الظواهر الإجتماعية على أشكالها؟

هذه المدونة هي محاوله لربما تجربيه بدائية لبحث مواضيع اجتماعية-ثقافية من خلال زواياها الغير متوقعه. هي فكرة انبثقت من تجربتي مع البُعد بمفهومه المزدوج- إبتعاد أو خلاف القرب وأبعاد اي نتائج أو تطورات. كلنا في مرحلة من حياتنا نخطو خارج المحور لكي نستشعر الصورة الاكبر عن بعد. الصورة التي تظهر لنا وبعدنا منها يؤهلنا النظر الي الامور بصوره مختلفه، وهذا هو فعل "البعد" وابعاده على طريقه تعرفنا على العالم والقوى الفاعله عليه ومن خلاله. فمن النميمة وكلام الناس الى التحليل الفلسفي أو التقد السياسي نحن نمارس البعد بصوره المختلفه. كلنا نبتعد ونقترب من المواقف التي تريد أن نتخذها أو نتبناها. ولربما الحياه الإجتماعية-سياسيه هي لعبة (وحتى رقصة) تقارب وتباعد من المشاركه الشخصية.

ككل انسان على هذه الأرض لدي اشياء كثيرة لأقولها وأعبر فيها عن نفسي. هذه المدونه محاوله تدوين هذه الأفكار مع الأخذ بعين الإعتبار الأبعاد السياسيه-إجتماعية التي ممكن ان تتطور الى إتجاهات غير متوقعه أو غير منتظره.

فكره هذه المدونة مستوحاه من الصديقه العزيزه نسرين مزاوي التي طالما وجدنا انفسنا نتحدث عن مواضيع متنوعه ومن هنا نبعت أهميه توثيق هذا النقاش. وطبعا نسرين باشرت بمدونتها المثيره والمشيقة والمهمه بكل معنى الكلمه وها أنا اسري خطاها بإستمرار عجلة النقاش والحوار المستند على هذه الأمور الصغيره اليوميه التي لها أبعاد لانهائيه على حياتنا بأكملها.