إدواردو مونوز\رويترزمن غير الإسهاب المطول عن تاريخ هايتي وشعبها أستخلص الأحداث المفعمة بأن هايتي كانت محطة تاجر فيها الأوروبيون بالسود الأفارقه كعبيد. كما وتم القضاء على الكم الأكبر من السكان المحليين في الجزيرة- هايتي والدومينيكان-. ويسكن الجزيرة الكريبينية تاريخ طويل من صراعات بين الإسبان والفرنسيون على سيطرة الجزيره ومواردها تعود أيامه القرن السابع عشر ميلادي. وإستطاع الفرنسيون في منتصف القرن السابع عشر الإستيطان بالجزء الغربي من الجزيرة- أي هايتي اليوم-. وقد إستغل الفرنسيون الجزيرة لزراعة السكر وكان الأفارقة القوى المستعبدة العاملة في هذة المزارع ووصل عددهم تقريباً المليون في نهاية القرن الثامن عشر. ووصلت كميات السكر المنتج من هذه العبوية الى مئات ملاين الأطنان. وفي بداية القرن التاسع عشر تحركت القوى السياسية ومع حدوث تقلبات سياسية في فرنسا وضعف سيطرة الإستعمار الفرنسي في المستعمرات وبالمقابل نهوض حركات محلية في هايتي أضعفت علاقة المستعمرة- هايتي- مع المستعمِر الفرنسي. ونشأت حركات التحررية من العبودية وصارعت من أجل الحرية والإستقلال وفي سنة 1804 كانت هايتي أول دولة في المنطقة الكريبية لتنعم بشيء من الإستقلال. وباتت هايتي كال"الإبن العاق" والمتمرد في مخيّلة المستعمِر العنصري. علاقة هايتي في القرن العشرين مع الولايات المتحدة وكندا أيضا تمحورت بصراعات سياسية وعلاقلات متوترة. فحين رفضت حكومة وشعب هايتي تدخل الولايات المتحده وكندا في تحديد حكومة هايتي تدخل السي أي اه الأمريكي في طرد الحكومة الشعبية وتم تعين حكومة مناصرة لأمريكا وكندا.
من المهم صياغة قصة هايتي والسيرورة والتحركات بصورة شاملة ومكتملة تأخذ بعين الإعتبار القوى المادية-سياسية التي تسيطر وتسيير الدولة. لكن في شمال أمريكا وأوروبا هنالك تصور مُسيس ظالم وسلبي للجزيرة ككل نابع من هذا التاريخ وهذه التطورات السياسية-إجتماعية ومادية. وهذا مُلاحظ في تغطية خبر زلزال هايتي في الصحف ومواقع الإنترنت الشمال أمريكية. فمثلا تحليل دمار الزلزال إقتصر على أن الدولة وشعبها "ملعونين" بشعوذه أو لعنة ما لا يمكن أن تفسر، أو أن الشعب الهايتي "غير محظوظ" أو حتى لا "حظ له". وقد صوِّر وكأنه مستضعف وميؤس من أمره. وكانت أكثر التحليلات سوءاً، عنصرية ونظرة إستعلائية هو تفوهات أحدى السياسين الأمريكان المتدينين لمذيعة سوداء (تبدو وكأنها توافقه الرأي) هو أن "الهايتيون قد إئتلفو مع الشيطان حين رفضوا الإستعمار والإستعباد الفرنسي وها هو الله يعاقبهم"- على رفضهم لعبوديتهم ومناشدتهم للحرية والإستقلالية .
وطبعاً هذه التغطية عنصرية علنياً لكن التغطية الشائعة لا تقل عنصرية أو إستعلاء إنما على العكس هي تغطية لا تهدف فقط الى إظهار ضعف شعب ووصفه بالمتخلف بنكبته إنما بنفس الوقت يظهر الإنسان الأبيض الأوروبي والأمريكي (والإسرائيلي) كالمتعاطف، الحساس، الإنساني والمنقذ. فحين يملك ويعيش الإنسان الأبيض في دولٍ مستقرة إقتصادياً، سياسياً وعسكرياً يُتوقع منه ومن دولته التسابق والتسارع لمن تكون الدولة الأولى في المنقذة لهايتي فتصبح بطلة الشاشات التلفزيونية وتختفي الجرائم الإنسانية ولو للحظات في طيات هذه التاريخ وأحداث الحاضر. فبنفس الوقت الذي ترسل فيه الولايات المتحدة أو كندا جيوشها لإنقاذ الأجسام والأرواح تحت أنقاض الدمارفي هايتي ترسل هذه الدول أيضاً فرقها العسكرية الأخرى الى أفغانستان والعراق وباكستان. وتبدو وكأن لهذه الدول اليد العظمى في منح الحياة وإقرارالموت، ، كما عرّفها ميشيل فوكو. فتاريخياً كانت مؤسسة الدولة وحكومتها لها الحق في أحذ الحياة من خلال الحروبات وعقوبة الإعدام والتعذيب، اليوم سياسات الدول تعتمد على موافقة وموالاة مواطينيها ليس فقط في أخذ الحياة بل في إعطاءها والمحافظة عليها. فواجب الدولة السيطرة على صورة الحياة ونوعيتها، والهلع لإنقاذ حياة شعوب مستضعفة أصبح من مُسلّمات العالم المعولم والمتحدث. كما وأصبحت عمليات الإنقاذ المصاحبة لعمليات عسكرية علنية أخرى من مسلمات العالم الغربي وإعلامه. فمن يعلم أن الجيش الأمريمكي اليوم مسيّطر على مطارات هايتي وشوارعها ومدنها. ومن يعلم أن أمريكا لم تكن من أول الدول للهرع في عمليات للإنقاذ الإنسانية؟ بل فنزويلا وكوبا كانوا من الأوائل للوصول فقط وبعد تفكير طويل دام ثلاثة أو أربعة أيام قررت أمريكا أن عليها بالإنقاذ ومنعت كل من المساعدات الكوبية والفنزويلية بالاستمرار في إرسال المعونات. اليوم وفي هذه اللحظات تتوافد الجيوش الأمريكية تحت أقنعة المساعدة لإنقاذ هايتي من دمار كان عليها أن توقفه لكن دعمها وتعيينها لحكومة لبيرالية ورأسماللية ولت بدمار أكبر في منع تقوية البنى التحتية ومؤسسات الرفاه الإجتماعية لأفقر دول العالم.
وها هو بطل الفيلم ألأمريكي يتألق على شاشات التلفزيون العالمية ليُحرج المشاعر و"ليلخبط" الأحاسيس والناتج لعبة أمريكية وحتى غربية لإظهار هذا الجانب الحساس للوحش المفترس لربما يحظى بتعاطفنا.


